ابن الجوزي

208

صفة الصفوة

أتيت الحصر فاختبأت وراءها ، وانصرف الناس والقوّام ، ثم خرجت إلى الصحن فلما سمعت غلق الأبواب وقعت عيني على المحراب فنظرت إليه وقد انشقّ ودخل منه رجل وثاني وثالث إلى أن تمّ سبعة واصطفّ القوم وزال عقلي ، فلم أزل واقفا في موضعي شاخصا زائل العقل إلى أن انفجر الصبح فخرج القوم على الطريق الذي دخلوا . 776 - عابد آخر كلاب بن جريّ قال : رأيت شابا ببيت المقدس قد عمش من طول البكاء ، فقلت له : يا فتى كم تكون العين سليمة على هذا البكاء ؟ قال : فبكى ثم قال : كما شاء ربي فلنكن ، وإذا شاء سيدي فلتذهب فليست أكرم عليّ من بدني ، إنما أبكي رجاء السرور والفرح في الآخرة ، وإن تكن الأخرى فهو واللّه شقاء الدهر وحزن الأبد والأمر الذي كنت أخافه وأحذره على نفسي ، وإني احتسبت على اللّه عزّ وجل غفلتي عن نفسي وتقصيري عن حظي ، ثم غشي عليه . 777 - عابد آخر عبّاد بن عبّاد ، أبو عتبة الخوّاص ، قال : رأيت شيخا في مسجد بيت المقدس كأنه قد احترق بالنار ، عليه مدرعة سوداء ، وعمامة سوداء ، طويل الصمت ، كريه المنظر ، كثير الشعر ، شديد الكآبة . فقلت : رحمك اللّه لو غيرت لباسك هذا ، فقد علمت ما في البياض . فبكى ثم قال : هذا أشبه بلباس أهل المصيبة ، فإنما أنا وأنت في الدنيا في حداد ، وكأني بي وبك قد دعينا . قال : فما تم كلامه حتى غشي عليه . 778 - عابد آخر أبو مدرك عثمان بن وكيع العبدي قال : جاء رجل إلى بيت المقدس فمدّ كساءه في ناحية المسجد فكان فيه الليل والنهار ، طعيّمه « 1 » خلف ذلك الكساء الذي قد مدّه . قال : فيبيت ليله أجمع يصلّي فإذا طلع الفجر مدّ بصوت له : عند الصباح

--> ( 1 ) تصغير طعام .